طوفان الملح: يوم انتقم المعلم من الإمبراطورية تخيل مدرس أطفال بسيط، ينقلب حاله بليلة ويقرر يحرق إمبراطورية كاملة وينهي حياة مليون ونص إنسان.. السالفة فيها دم وملح وانتقام ما يخطر على بال. الجزء 1: الجزء الأول: أحلام المعلم وغدر الأتراك القصة تبدأ في بغداد، عاصمة الدنيا وقتها، وتحديداً مع رجال اسمه علي بن محمد. علي هذا كان مدرس أطفال، يعني تخيل معي وضعه، كل يوم يصحى من الفجر، يروح للكُتّاب، ويجلس بين البزران اللي يصارخون واللي يتهاوشون، وهو صابر ومتحمل الغثا. ليش؟ لأن عينه ما كانت على هالغرفة الطين ولا على هالأطفال، عينه كانت فوق، كان يطمح يدخل بلاط الخليفة المنتصر بالله، يبي يصير من كُتّاب القصر، يبي الذهب والعطايا والجاه. كان يرتب كلماته، ويحفظ أشعاره، ويمني نفسه بيوم يوقف فيه قدام الخليفة وتتغير حياته. بس فجأة، وفي يوم ما كان في الحسبان، انتشر خبر في بغداد هز الأرض هز.. الخليفة المنتصر مات! وشلون مات؟ قالوا إن القادة الأتراك اللي في الجيش دسوا له السم وذبحوه. هنا علي بن محمد حس إن الدنيا قفلت في وجهه، كل الأحلام اللي بناها، وكل الصبر على صراخ الأطفال، طار في الهواء بلمحة بصر. صار يمشي في شوارع بغداد وهو يكلم نفسه، يحس بضياع تام، مستقبله اللي كان يعول عليه انمسح بموت المنتصر، وما كان يدري إن هالصدمة هي اللي بتفتح باب جهنم على الأرض. الجزء 2: الجزء الثاني: الظلم يصنع الوحوش بغداد بعد موت الخليفة صارت فوضى، العسكر الأتراك يمشون في الشوارع، والاعتقالات شغالة على قدم وساق، يدورون أي أحد له علاقة بالمنتصر أو يشكون فيه. علي بن محمد كان يمشي في حال سبيله، ما له في العير ولا في النفير، بس لأنه كان يتردد على بعض أطراف القصر بحكم طموحه، طاحت عين العسكر عليه. جوه مجموعة من الجنود الغلاظ، سحبوه من ثوبه بدون تفاهم. حاول يفهمهم: أنا مجرد مدرس، مالي دخل في السياسة! بس مين يسمعك؟ نزلوا فيه ضرب لين عض الأرض، سحبوه في الشوارع والناس تتفرج، ورموه في سجن مظلم ريحته موت ورطوبة. تخيل شعور الرجال في هاللحظة، جالس في الزاوية، جسمه يوجعه من الضرب، ومستقبله ضايع، ومسجون ظلم. في هالظلام، شيء انكسر داخل علي بن محمد، وشيء جديد انولد. الحقد أكل قلبه، صار يهمس لنفسه في السجن ويحلف بأغلظ الأيمان: والله لأدفعكم الثمن، والله لأخلي هالدولة اللي ظلمتني تندم دم، راح أدمر كل شيء بنيتوه. هذي ما كانت مجرد فضفضة سجين مقهور، هذي كانت بداية ولادة واحد من أخطر المجرمين في التاريخ. الجزء 3: الجزء الثالث: الهروب وكذبة النسب مرت الأيام وعلي في السجن يغلي، لين جاء الفرج من مكان ما توقعه. صارت تمردات في البلد، فرقة اسمها الفرقة الشاكرية قامت على الحكومة، وفي عز هالفوضى انفتحت السجون وهرب اللي هرب. علي بن محمد ما صدق خبر، طلع من السجن وهو ينفض ترابه، وتلفت يمين ويسار، لقى بغداد تغلي. قال لنفسه هذي ديرتهم وما عاد لي فيها مقعد. أخذ بعضه وهرب بعيد، توجه شرق لين وصل البحرين. يوم وصل هناك، شاف الناس بسطاء، فكر كيف يستغلهم عشان يبني له قوة. قام طلع كذبة من راسه، وبدأ يمشي في المجالس ويدعي إنه من آل البيت، وإنه شريف وله حقوق ولازم الناس تتبعه. الناس في البداية استغربوا، بس البحرانيين ما كانوا سهلين، بدأوا يسألونه ويناقشونه، ولأن حبال الكذب قصيرة، اكتشفوا إن الرجال نصاب وما عنده سالفة. مسكوه وقالوا له: اسمع، خذ عفشك واطلع من ديرتنا ولا عاد نشوف رقعة وجهك. انطرد علي بن محمد للمرة الثانية، مكسور ومفضوح، بس العناد اللي في راسه ما خلاه يوقف، أخذ طريقه وتوجه جهة العراق مرة ثانية، وتحديداً بين البصرة وواسط، وهناك كان الموعد مع القدر. الجزء 4: الجزء الرابع: جحيم الملح وصل علي بن محمد لمنطقة يقال لها السبخة، بين البصرة وواسط. المكان هذا كان عبارة عن أرض بيضاء تقطع القلب من الملح والشمس الحارقة. يوم مشى فيها، شاف منظر وقفه مكانه. آلاف من العمال الأفارقة، اللي يسمونهم الأحباش أو الزنج، يشتغلون في استخراج الملح. المنظر كان مأساوي بمعنى الكلمة، العمال ظهورهم محروقة من الشمس، عرقهم يصب، والمشرفين عليهم يجلدونهم بالسياط جلد ما يرحم. كانوا عايشين أسوأ أنواع العبودية، أكلهم سيء، وشغلهم من طلوع الشمس لمغيبها، واللي يطيح منهم ينضرب لين يوقف أو يموت. علي بن محمد يوم شاف هالمنظر، ما حزن عليهم، ولا رقت عينه لهم، لا، عينه لمعت! شاف في ظهورهم المجلودة جيش لا يقهر، شاف في غضبهم وقهرهم الوقود اللي بيحرق فيه الإمبراطورية. بدأ يتمشى بينهم بحذر، يراقبهم، لين لفت انتباهه عبد قوي البنية، عيونه فيها شرار، اسمه ريحان. قرر علي إن ريحان هذا هو المفتاح. قرب منه وبدأ يكلمه بصوت واطي ومدروس، يزرع في راسه فكرة التمرد. الجزء 5: الجزء الخامس: شرارة الثورة وانقلاب السحر قال له: يا ريحان، إلى متى وأنت تاكل الضرب؟ إلى متى ظهوركم تنزف عشان تجار قاعدين في قصورهم؟ أنا هنا عشان أعزكم، بوقفكم على رجولكم وأخليكم سادة هالبلد، بس اتبعوني. ريحان سمع هالكلام وكأنه لقى طوق النجاة. راح ريحان ينشر الكلام بين أخوياه في ظلام الليل، همس ورا همس، لين تجمع عند علي بن محمد آلاف من الزنج، عيونهم تقدح نار. وقف علي بن محمد بينهم، وخطب فيهم خطبة زلزلت الأرض تحتهم، قال لهم: من اليوم ما فيه سيد وعبد، أنتم الأسياد، والثروة لكم! التجار اللي كانوا يملكون هالعبيد لاحظوا إن العمال اختفوا، فجو راكبين خيولهم ومعهم سياطهم، معصبين ويبون يرجعونهم للشغل. يوم وصلوا، شافوا الزنج متجمعين حول علي بن محمد. التجار صرخوا: ارجعوا لشغلكم يا عبيد! هنا علي بن محمد ابتسم التفاتة خبيثة، وأشر للزنج بيده. بلحظة وحدة، هجم الزنج على أسيادهم القدامى، نزلوهم من خيولهم، وضربوهم ضرب مبرح، وقيدوهم. علي بن محمد قال للزنج: الحين خلوهم هم اللي يشتغلون في الملح، وأنتم اجلدوهم! هنا انفجرت الثورة رسمياً، وما عاد فيه طريق للرجعة. الجزء 6: الجزء السادس: بناء مدينة الدم والمختارة الجيش حق الزنج كبر بشكل يخوف، صاروا جياع للدم والانتقام. أول تحرك عسكري لهم كان على منطقة اسمها كورة دجلة، وكان عليها والي اسمه ابن أبي عون. هجموا عليهم مثل الجراد، ما خلوا لا أخضر ولا يابس. ابن أبي عون حاول يدافع بس الجيش أكله أكل، وقتلوه شر قتلة، والأبشع من كذا إنهم ذبحوا كل واحد كان يسخر من علي بن محمد أو يستخف فيه. بعدها اتجهوا لقرية اسمها الجعفرية، تابعة لآل هاشم، وهناك صارت مجزرة حقيقية. استباحوا القرية تماماً، ذبحوا الرجال في الشوارع، وسبوا النساء وأخذوهم كغنائم، المنظر كان يبكي الحجر. أهل البصرة حسوا بالخطر، جهزوا جيش بقيادة واحد اسمه عقيل وطلعوا يواجهونهم، بس الزنج مسحوا جيش البصرة وقتلوا عقيل. الانتصارات هذي خلت صيت علي بن محمد يضرب في الآفاق، وبدأوا ينضمون له قادة عرب شافوا فيه قوة مفرطة، مثل علي بن أبان وسليمان بن جامع. عشان يثبتون دولتهم، قرروا يبنون مدينة محصنة تكون عاصمة لهم، سموها المختارة. بنوها بأسوار منيعة وخنادق، وصارت بؤرة الرعب في جنوب العراق. الجزء 7: الجزء السابع: معركة النهر واحتراق البصرة أهل البصرة جن جنونهم، كيف شوية عبيد يتمردون ويذبحون جيوشنا؟ جهزوا جيش أضخم بقيادة مقاتل شرس معروف باسم الحمار الساجي. الجيش نزل في السفن والقوارب في الأنهار اللي حول البصرة، ناوين يدخلون المختارة ويمحونها. بس علي بن أبان، القائد المحنك اللي مع الزنج، كان أذكى منهم. نصب لهم كمين نهري ما يخطر على بال إبليس. خلى السفن البصرية تدخل في الممرات الضيقة، وفجأة طلعت لهم قوارب الزنج من كل مكان. صارت معركة شنيعة في الموية، انذبح فيها الحمار الساجي وقطعت راسه. علي بن محمد ما اكتفى بهالنصر، أمر بقطع رؤوس كل الجنود البصريين، وحطوها في قوارب وخلوها تسبح في النهر لين وصلت وسط شوارع البصرة! تخيل أهل البصرة يصحون الصبح يلقون رؤوس عيالهم مقطعة ومرمية عندهم. الرعب أكل قلوبهم. بعدها، هجم الزنج على البصرة نفسها. دخلوها دخول المنتقم الجيعان، حرقوا كل شيء، استباحوا البيوت، حتى جامع البصرة الكبير، الناس احتمت فيه يظنون إن بيوت الله آمنة، بس الزنج قفلوا الأبواب وحرقوا الجامع بمن فيه! يقال إن عدد القتلى في البصرة وحدها تجاوز الـ 300 ألف إنسان، الشوارع صارت أنهار من الدم. الجزء 8: الجزء الثامن: تدخل الإمبراطورية وسهم الموفق الخبار وصلت لبغداد، الخليفة المعتمد جالس في قصره يرتجف، 300 ألف قتيل! البصرة احترقت! الإمبراطورية جالسة تنهار! نادى أخوه، القائد العسكري المحنك الموفق، وقال له: يا تجيب راس هالمدعي، يا لا ترجع. الموفق جهز جيش نظامي، مدرع، ومسلح بأفضل الأسلحة، وتحرك للجنوب. بدأت حرب استنزاف حقيقية. الموفق ما كان يتعامل مع جيش عادي، كان يتعامل مع ناس يقاتلون بشراسة لأنهم يعرفون إن الاستسلام معناه الموت. صارت مناوشات ضخمة، وفي وحدة من هالمعارك، قدر جيش الموفق يمسك واحد من أهم قادة الزنج، يحيى البحراني. قتلوه ومثلوا بجثته عشان يكسرون معنويات الزنج. الموفق قرر ينهي المسألة، زحف بجيشه كله وحاول يقتحم أسوار مدينة المختارة. المعركة كانت طاحنة، السهام تنزل مثل المطر، والسيوف تضرب في الدروع. وفي عز المعركة، انطلق سهم من أسوار المختارة واستقر في صدر الموفق! الدم قام يصب، والقادة حوله انهبلوا، يبونه ينسحب عشان يتعالج، بس الموفق كان رجال من ظهر رجال، رفض يطيح، كسر السهم وكمل يوجه الجيش وهو ينزف، لأنه كان يدري لو انسحب الحين، جيشه راح ينهار وينسحق. الجزء 9: الجزء التاسع: الجوع وأكل لحوم البشر لما شاف الموفق إن الاقتحام بيكلفه جيشه كله، غير خطته. سحب قواته وضرب حصار خانق ومميت على مدينة المختارة. قفل عليهم كل الطرق، لا موية تدخل، ولا أكل، ولا إمدادات. مرت الشهور، والوضع داخل المختارة صار جحيم ما يوصف. الأكل خلص، الخيل أكلوها، القطاوة والكلاب اختفت. الجوع قرص بطون الزنج لدرجة الجنون. تخيل إنهم وصلوا لمرحلة صاروا ياكلون لحوم البشر! اللي يموت منهم يقطعونه وياكلونه عشان يعيشون، مشاهد مرعبة فوق الخيال. بدأت معنويات الزنج تنهار، والآلاف منهم صاروا يطلعون من الأسوار ويستسلمون لجيش الموفق وهم هياكل عظمية. وفي هالوقت الحرج، وصلت إمدادات بحرية ضخمة من مصر، أسطول كامل بقيادة لؤلؤ الغلام جاء يفزع للموفق. هنا انقلبت الموازين تماماً، الموفق أمر ببدء الهجوم الكاسح النهائي. اقتحموا الأسوار، ودخلوا المختارة، ولقوا مناظر تشيب الراس من الجوع والموت. مسكوا واحد من أشرس قادة الزنج، اسمه صندل الحبشي، ومن كثر ما كان مجرم، الموفق أمر إنهم يربطونه ويحرقونه وهو حي قدام الناس. الجزء 10: الجزء العاشر: نهاية المعلم وسقوط الكابوس المدينة جالسة تحترق، والجنود يدخلون كل بيت يذبحون ما تبقى من قادة الزنج. علي بن محمد، المعلم اللي بدأ هالكابوس، شاف إمبراطوريته اللي بناها بالدم والملح تنهار قدام عيونه. حاول يهرب، تلثم وطلع يركض في أزقة المختارة بين الجثث والدخان، يبي ينجو بجلده. بس عيون الموفق ولؤلؤ الغلام كانت تراقبه، ما تركوه يفلت. طاردوه في الشوارع لين حاصروه. ما عطوه فرصة حتى يتكلم، ضربوه بالسيوف لين طاح ميت. الموفق أمر بقطع راسه فوراً، ورفعوه على رمح طويل، وبدأوا يلفون فيه في المعسكر عشان يتأكد الجميع إن الكابوس انتهى. بعد 14 سنة من الرعب والدم، انتهت ثورة الزنج. الحصيلة كانت مرعبة، أكثر من مليون ونص إنسان فقدوا حياتهم، مدن انمحت من الخريطة، واقتصاد تدمر. الموفق، رغم قسوته في المعركة، أصدر عفو عام عن كل العمال الزنج اللي استسلموا، لأنهم في النهاية كانوا مجرد أدوات، لكنه أعدم كل قادتهم. وبكذا انطوت صفحة من أدمى صفحات التاريخ، صفحة بدأها مدرس مقهور، وانتهت بمليون ونص جثة.