في شتاء عام 617 هجري، وبين تخوم بلاد فارس وغموض بحر قزوين، امتدّت سحابة سوداء من الدمار بفعل جيوش المغول الجبارة، بقيادة القائد المغول المعروف، جنكيز خان. كانت تلك الجيوش تجتاح بلدان المسلمين، تهدم المعاقل وتُحرق القرى، إذ لم تقف في وجهها سيوف ولا جدران. في تلك اللحظات العصيبة، كان السلطان الخوارزمي علاء الدين بن خوارزم على فراش الموت، مخبأ في جزيرة نائية، بعيداً عن ضجيج المدن وومضة السيوف. هناك، تحدق في بحر قزوين، وتخترق ناظريه آفاقٌ لا يدري معه نهايات ما كان من سلطانٍ وما قد سيكون. إلى جانبه، وقف ابنه جلال الدين، يتلظى بالحزن والحمية، وقد ورث عن أبيه قوة القلب وعزيمته، وإن كان قد ورث أيضاً وطأة المثول أمام عدو لا يُقهر.
أعلن هنا الآن
تواصل معنا للحجز الفوري
بداية الرحلة وفقدان السلطان
في تلك الأثناء، وبينما كانت النيران تمخر عرش خوارزم، مدَّ السلطان يده المرتعشة إلى ولده. بصوت خافت وكأنه نسمة من الماضي، قال له: "يا ولدي، وصيتي إليك أن تسترد المملكة وأن تقف في وجه المغول، ليس لي حيلة إلا درع القدر." لم يكن في وسعه سوى كلمات تبدو كأنها أتت من عالم آخر.
تعجب جلال الدين من كلام أبيه، وملأت التساؤلات قلبه: "وكيف لي يا أبي؟ أين الجيش الذي أعتمد عليه؟ أين المال الذي أتحرك به؟"
لكن السلطان كان يعلم أن القدر هو الذي يهب القوة حينما يفرغ العتاد، فبقي صامتاً مستجيبا لنفس الحال الذي كان فيه، مستعداً لملاقاة ربه.
سقطت دموع جلال الدين وهو يرى والده يغادر هذا العالم، ولم يجد أمامه سوى أن يلفَّه بكفن بسيط من ثوبٍ أبيض ويدفنه بعينه دامعتين، وفي قلبه حزنٌ وأفقٌ لا يعرف كيف يخترق سماوات اليأس.
وقفت الرياح تهب برهبة، وكأنها تعلن اسدال الستار عن فترة ملؤها الألم والحصري.
قرر جلال الدين أن يودع الجزيرة النائية، ويبسط أشرعة الأمل نحو عالمٍ يتأمل منه مستقبل وطنه.
علم جلال الدين أنه وحده، بلا جيش أو مال، لكن إرادته بدت كقنديل في ظلام الليل.
نادى على أتباعه القليلين، معلناً بغير ذِكر الخطط عن عزيمته أن يحارب عدواً لا يقف في وجهه أحد.
خرج جلال الدين في رحلة مجهولة، تقوده النجوم في بحرها، وكل شاطئ يراه يبعث إليه أمل التحرير.
أعلن هنا الآن
تواصل معنا للحجز الفوري
المسير إلى الغزنة والانتصار الأول
ركب جلال الدين ومرافقيه قليلوا العدد سفينة خفيفة، واجهوا بها أمواج الشك والدنيا حتى وصلوا إلى حدود أفغانستان.
اختار جلال الدين أن يصد الرحالة العابر إلى مدينة غزنة، حيث سمع أن الناس هناك لا يزالون على العهد مع مملكتهم السابقة.
في رحلته، التقوا برجل ينذرهم عن تحركات خطيرة للمغول كانوا قد علِموا بمكانه ويتتبعونه. كانت تلك الأنباء كطيف ليل يحوم حول وجهه وهو يزن خطواته التالية.
لم يثنه ذلك عن خط سيره، فمضى واثقاً أن أرضاً ومأوى ستفتح يوماً في وجهه.
عند وصوله إلى غزنة مع بزوغ الفجر، وجد أن أخبار وصوله سبقت خطواته، فكانت القلوب مهيأة لاستقباله والوقوف معه.
دخل جلال الدين إلى المدينة، واستقبلته الجماهير استقبال الفاتحين، إذ تشوقوا للعودة إلى عهد الملك والقائد الذي ينتمي لنسل السلالة الحاكمة.
تفاجأ جلال الدين بكم هائل من الرجال الذين أبدوا له استعدادهم القتالي، وهو في قلب الجموع يشعر بغبطته على النصر.
وقف مخاطباً الجماهير مٌعلناً عزمه وشجاعته: "أعلم أن حياتي ليست إلا رخصة لغاية، أملي أن تنتهي بالشهادة في سبيل الله وكرامة الوطن."
بسلامة الله وعظمته، استطاع الآلاف ممن حضروا تحت لوائه الخروج في معركة أُعدت لها بنود النصر.
أعلن هنا الآن
تواصل معنا للحجز الفوري
البطولات وصراع المغول
انطلق جلال الدين بجيش من سبعين ألف مقاتل، متخذاً قندهار مركزاً لهجومه الأول.
كانت هناك كتيبة للمغول يسودها الغطرسة، لم تظن أن هناك من يجروء على الاقتراب.
بأمر سريع من قائده الشجاع جلال الدين، شن الجيش الهجوم كالعاصفة، فلم تمر إلا ساعات قليلة حتى اجتاحت جيوش المغول تحت ضربات عنيفة.
استطاع جلال الدين وأفراده أن يبيدوا الكتيبة بالكامل، وكان الانتصار بمثابة شعلة جديدة تشعل الحماس في رجال جلال الدين.
أسر جلال الدين أحد الجنود المغول، وبحكمة القائد الذي لا يتحمل إلا الحكمة، قال له: "قبل أن تنال أي عذاب، أريدك أن تحمل رسالة إلى سيدك جنكيز خان، أبلغه أنني جلال الدين قد أتيتك."
تروي الأحداث كيف طغى دم جلال الدين الثائر وهو يهزم أعداءه جولة تلو أُخرى، وكيف أطاح بتولا أشهر قادة المغول في معركة تولا، عبر مبارزة خطيرة انتهت بموت تولا الذي قزمته عزيمة جلال الدين.
سرعان ما انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم، ففجّرت قلوب المغول بنوع من الخوف غير مألوف.
لكن الغدر والانقسام لم يكونا بعيدين عن هذا الانتصار، فعلى حين غرة اشتبك القادة بوين الملك وبقراق حول الغنائم والولاء.
انقطع الحبل بينهم كما لو كان مرتبطا بسحابة تلاشت في السماء، فانفصل بقراق وبرفقته ثلاثة آلاف مقاتل، ولحق بهما بوين الملك أيضاً.
أضحى جلال الدين بجيشه مصغر بلا يقين يثني من عزيمته الفضفاضة.
أعلن هنا الآن
تواصل معنا للحجز الفوري
المواجهة الأخيرة والفرار العظيم
في هذه الأثناء، كانت شهرة جلال الدين تعلو حتى بلغت مسامع المغول في كل مكان.
جنكيز خان، مؤسس الإمبراطورية التي لا تعرف الهزيمة، اضطر هذه المرة إلى التحرك بنفسه ليواجه هذا الخصم الذي قلب موازين أراضيه.
علم جلال الدين بأن الجنكيز خان يتجه نحو الهند ليحاصره عند ضفاف النهر الكبرى. كانت المواجهة المحتومة تقترب.
حوصر جيش جلال الدين عند نهر السند، المقاومون كانوا قليلين، وهم يشاهدون في فزع ما يبدو كجبال مغولية تتجه نحوهم.
رغم التحذيرات العديدة، رفض جلال الدين أن يستعين بالهنود للعبور، كان يؤمن بغايته وأن التضحية ستكون خلاصه.
استبسلت القوات القليلة في مواجهة المغول على ضفة النهر، وكانت دماء كثيرة من بعد الدماء تسقط بكميات لا توصف.
في لحظة الأزمة، لم يعد أمام جلال الدين سوى أن يلقي بنفسه في مياه النهر، يطارده الموت في كل زاوية.
بغرابة المصير، استطاع بفروسية عظيمة أن يعبر النهر بمساعدة جواده، تاركاً خلفه جيش المغول وهو يحدقون في رهبة بما تبقى وراءه من شجاعة وتضحية.
أعلن هنا الآن
تواصل معنا للحجز الفوري
الخاتمة
بعد نجاته من الحرب والنهر، حاول جلال الدين لم شمل من تبقى من أتباعه في الهند، رغم مطاردة المغول له بتصميم لا يخبو.
عند أحد الجبال الكبيرة، جبل الأكراد المشهور بخشونته وعظمته، أُسر جلال الدين من قبل جماعة كردية كانت تبحث عن الانتقام. قتل أحدهم جلال الدين بدم بارد، متمماً بقسم قبيلته أن يثأر لقريب قُتل سابقاً.
هكذا طويت صفحة جلال الدين بن علاء الدين، الرجل الذي نقشت شجاعته أنشودة في صفحات البطولات. في رحيله، ترك أثراً لا يمحى، أعلم العالم بأسره أن الإرادة والعزيمة يمكن لهما أن يصفّيا مجريات التاريخ على دوامه، وإن لم يعدلهما طرف في صراع القوى الكبرى.