كان الهواء يلامس بشرة خالد بزخّاتٍ خفيفة من الرمل الذي حملته رياح صيفية دافئة، وذلك عندما وُضعَت قدميه أول مرة على تلك الأرض الصحراوية الشاسعة في منطقة الأحمدي. كانت الشمس تلقي بشعاعها البرتقالي على الأفق بألوانها الزاهية، ملامسةً العالم السفلي بخيوط الضوء الدافئة بينما اختلط هدير المعدات الثقيلة بصمت الصحراء المحيط.

مساحة إعلانية #1 25 ريال/يوم
📢

أعلن هنا الآن

تواصل معنا للحجز الفوري

0543993351

بداية طريق العمل

بعد تخرجه من الجامعة قبل عام، حاول خالد بجدية البحث عن عمل يناسب مؤهلاته. أعوام الدراسة في الكويت لم تكن سهلة، لكنه كان ممتناً للدعم الذي حصده من عائلته ومجتمعه السعودي المقيم هناك. كل ما كان يفتقده هو فرصة عمل تتيح له إبراز ما تعلمه.

مرت الشهور وهو يتنقل بين المقابلات الوظيفية والشركات المختلفة دون جدوى. حتى جاء اليوم الذي اقترح عليه والده بلهفة أن يعمل في قطاع النفط. كان والده يعرف أشخاصًا مؤثرين في هذا المجال، وبالفعل تمكَّن من ترتيب مقابلة له مع مدير شركة نفط يدعى أبو كريم.

في غرفة الاجتماعات الفسيحة التي يشع منها ضوء النيون الأزرق، جلس خالد في مواجهة أبو كريم بأعين حالمة وآمال متجددة. سأله أبو كريم عن مدى استعداده للعمل في بيئات صحراوية قاسية والبقاء هناك لفترات تمتد لأيام، فأجاب بحزم أنه مستعد لأي تحدٍ قد يواجهه.

وافق أبو كريم على توظيفه بشرط أن يخضع لتدريب مكثف يستمر لثلاثة أشهر، بحيث يستعد لطقس العمل ويتعرف على كل المعدات التي سيعمل معها لاحقاً. كان خالد مفعماً بالحماس، خاصةً حين اكتشف أن موقع العمل يبعد فقط مسافة بسيطة عن الحدود الجنوبية للكويت، حيث تعتبر المواقع النفطية هناك من الأكثر إنتاجية.

انطلق في يومه الأول بعزم وشغف، حيث كان التدريب يشمل كل ما يتعلق بإجراءات السلامة والعمليات التشغيلية. بدأ يكتسب المهارة والثقة في ما يفعله، حتى أن المدربين انتبهوا لتقدمه السريع واستيعابه للتفاصيل المعقدة.

اللحظة الحاسمة في التدريب كانت عندما ضمه مسؤول فني لفريقٍ لإجراء صيانة دورية لإحدى المحطات النائية. تجاوزوا الكثبان الرملية العالية، عابرين طريقهم تحت شمس الظهيرة، حتى وصلوا لموقع واسع متسع تحيط به أجهزة ضخمة وأصوات المولدات العالية، حيث علم خالد أن هذا سيكون جزءاً مما سيواجه في المستقبل.

كانت هذه اللحظات الأولى هي التي صهرت خالد في قالب جديد، ووضعته على أعتاب مسيرة عملية مثيرة لم يكن يدرك بأبعادها الخفية شيئًا حينها.

مساحة إعلانية #2 20 ريال/يوم
📢

أعلن هنا الآن

تواصل معنا للحجز الفوري

0543993351

أصوات الصحراء الغامضة

مرت الأيام وبدأت الأمور تبدو بشكلٍ مختلف عما اعتاد عليه خالد سابقًا. كانت الصحراء عند الليل تُظهر وجهًا آخر، وجهًا يجعل من يتحدَّى ظلماته يشعر بالرهبة. في إحدى الليالي القاهمة، بينما كان خالد يقوم بمهمته في فحص محولات الكهرباء وسط الصحراء، هدأت حركاته فجأة بين نسائم الرياح.

هدوء الليل أخذ يتسلل إلى ذهنه، يغرس فيه شعورًا بالوحدة والغرابة. أوقف خالد حركته لبرهة، ثم سمع صوتًا يناديه باسمه من بعيد، بأصوات محدودة ومخنوقة: 'خالد!'.

توقف كيان خالد، تحولت نبضاته إلى دقات عنيفة، أحس كأن الأرض تتلألأ تحت قدميه من شدة الإحساس بالغربة والرعب. غادر الموقع على الفور متوجهًا إلى سكن الموظفين، والمشاعر متضاربة بين المنطق والرعب.

حين وصل، تطلع إليه زميله الباكستاني كبير السن بعينين خبرتا التقلبات، وشعر خالد بضرورة الحديث عن ما جرى. قدم له الباكستاني نصيحة غريبة لم تكن متوقعة: 'لا تلتفت، ولا ترد على أي صوت تسمعه في الصحراء'. زعزع قوله يقين خالد، وجعله يتساءل هل ما سمعه كان مجرد هلوسة.

الليالي تتابعت، وكانت الرمال الهادئة تبدو وكأنها تخفي حكايات لا تنتهي. في ليلة أخرى، بينما كان خالد يستعد للعودة للسكن، لمح على بعد مسافة قصيرة كلبًا ذا لون أسود، واقفًا ساكنًا بلا حراك، حتى أنه بدا وكأنه يحدق في خالد مباشرة.

لم تكن هذه الرؤية مع ما حدث سابقًا شيئًا يمكن التغاضي عنه، رغم محاولاته لإقناع نفسه بعدم الاهتمام حتى وصل إلى سكن الموظفين والتقى بزميله وليد. تحدث معه، ومن حديثهما ظن خالد أنه رأى وليد يسير في الصحراء قبل قليل، لكن عند الحديث عاد له الهدوء شيئًا فشيئًا بعدما أكد له وليد أنه لم يخرج من السكن.

ما شعر به خالد تلك اللحظة كان خليطًا من الحيرة والقلق، وذاك الإحساس الخفي بأن شيئًا غير طبيعي يحيط به. كان عقله يتلقى رسائل مبهمة من المجهول، لا يعرف ما إذا كان عليه الاطمئنان أم الخوف.

مساحة إعلانية #3 15 ريال/يوم
📢

أعلن هنا الآن

تواصل معنا للحجز الفوري

0543993351

صدى الأرواح المُبهمة

تحولت الحياة في الموقع إلى سلسلة من المواقف الغامضة، حفرت في ذاكرة خالد مشاهد لا يمكن محوها. في ليلة أخرى بالكرفان، استيقظ خالد على وقع صوت باب السكن يفتح بشكلٍ بطئ يثير الريبة، نهض ليرى الظل يقف خارج الباب.

تردد في البداية، لكنه مع مرور اللحظات بدأ يميز الملامح. كان الفني الهندي، لكنه لم يكن في وضعه الطبيعي. ألقى خالد نظرة مرتابة لترى ما إذا كان خياله يتلاعب به، لكن لم يكن هناك شك حين عادت الأمور لطبيعتها وجعلت وجه الفني يبدو أكثر واقعية.

استعاد خالد نفسه وعاد لمكان نومه، محاولًا طرد الأفكار والأصوات المتكررة من رأسه. لكن صوت خطوات خفيفة وتعامل الزميل مع خزانة ملابس خالد أبقت عينيه مفتوحتين. تلك اللحظة تحديدًا أثرت فيه بشدة.

عند الفجر، واجه زميله بتفاصيل ما حدث، لكن إنكار الزميل ومعاذيره حول كونه كان يعمل طوال الليل جعل الأمور أكثر غموضًا. بقى خالد متوترًا وحائراً، لا يعرف ما إذا كانت له الحق في الشكوك التي بدأت تتضح أمامه.

اتجه خالد نحو الشركة في الصباح، مترددًا بين الاستقالة والاستمرار. كان الوضع لا يحتمل، الخوف يتزايد ونبضات قلبه تتسارع مع كل تلميح أو موقف.

حينما قرر العودة إلى السكن في هذه الأثناء، كانت حياته تمر بأقسى اللحظات. لم يكن يعلم آنذاك أن كل شيء سيختلف عمّا كان يتخيل.

لاحظ أبو كريم التغيرات التي أصابت خالد، توقفه الغير مبرر في وسط العمل ذلك الصباح، قرر عقد جلسة منفردة مع خالد لإعادة التفكير حول مسار العمل معه، إلا أن الإجابة كانت واضحة ومطلقة، خالد يطلب الاستقالة.

أراد أبو كريم إقناع خالد بالبقاء، مستشهدًا بصعوبة توظيف البديل وتكلفة تدريب جديد، لكن إصرار خالد جعله يرضخ في النهاية.

مساحة إعلانية #4 15 ريال/يوم
📢

أعلن هنا الآن

تواصل معنا للحجز الفوري

0543993351

البداية الجديدة والأحلام المضطربة

بعد مغادرته عالم النفط وما شهده فيه، لم يكن خالد يعتقد أنه سيجد نفسه في دوامة مشابهة مرة أخرى حين استلم عمله في شركة الأمن الجديدة. ضغوطات العمل لم تكن سوى ذكريات تأتيه من حين لآخر، يتذكرها وتعود إليه كأنها ظلال لا تتركه.

كانت مهمته الأساسية تتعلق بجولات ليلية في المواقع المختلفة، يتفقد حراس الأمن ويضمن التزامهم في العمل. كانت هذه الليالي تمتحن قدرته على التحمل والاستجابة.

ذات ليلة، وفي منطقة مستشفيات بعيدة، كان خالد يتفقد إحدى المواقع، وفجأة، التقطت عيناه راحة الحارس المرافق الذي غلبته النعاس في الخيمة الخلفية، وبجانبه كانت تجلس امرأة لم يكن لها وجود سابق في ملفات المسؤولية.

تساءل خالد عن مدى تكرار هذه الحالة، خاصة عندما أنكر الحارس كل ما رواه خالد، جعل من تلك الليلة بداية للكثير من التساؤلات المربكة.

أصر خالد أن يعود للموقع ليلًا، ربما للبحث عن إجابة وسط الممرات الصامتة والأضواء الخافتة. الأولى ليلاً، والثانية كانت لرؤية تتكرر في ظلمة اللاوعي.

غفا خالد في غرفته، وآذنت دومينته أن يفتح باب اليقظة حين تابعت رؤيا لأحداث تلك الليلة بأسلوب لم يكن مألوفًا، وكان يشهد دخوله إلى الكشك ووجود المرأة ثانية. الرجل لم يكن مرتابًا هذه المرة، تصرف بأريحية تامة رغم نظرة خالد المشدوهة.

اندفع خالد ليكتشف الحقيقة، غير مكترث بقوله، بل واقع مأساوي لا فكاك له. انسحب مجددًا لعوالمه، وانقلب إلى زحام يرتكبه النعاس. كان لصديقه فكرة مجنونة دون علمه، قالها بصراحة: عليك التوجه لطبيب متخصص.

بعد ذهابه للحظات، أُلقي على خالد بصرة واحدة، وغمرت عينيه نظرة الغيبوبة. خرج منها بعد يومين، وحكاية المرأة لم تفارق شفاها المتحركة بالكلمات الغامضة.

ظهر الحل في دفعات الرقية والانغماس فيها، وعائلة خالد أدركت أن ما حدث كان بمثابة استيقاظ لتوقظ حلمًا لم يُكمل طريقه.

مساحة إعلانية #5 15 ريال/يوم
📢

أعلن هنا الآن

تواصل معنا للحجز الفوري

0543993351

الخاتمة

خالد عاد إلى حياته بعد انتهاء الكابوس. تحسنت حالته تدريجياً بعد العلاج، وتمكن من العودة إلى العمل بدون قيد وهم المرأة المجهولة التي سلبت منه الكثير من لحظاته. غاب السؤال الأزلي عن إذا ما كانت الأحداث حقيقية أم لا، لكنه نهايًةً شعر بالارتياح، وانطلقت حياته من جديد في تطلعاته المستقبلية.